لقد تناول الناس الفلك وعلومه بالعناية والدراسة والرصد من عهد
اليونان والبابلين والهنود والفراعنة وغيرهم من سائر الأمم مع اختلاف
فيما بينهم في تفسيره تبعاً لدراستهن ومتابعتهم الفلكية، وما يتسعون
فيه من نظرة خيالية، أدت ببعضهم إلى عبادة بعض الكواكب حتى زمن الوحي
مما جعل القرآن الكريم ينهى عن ذلك قال تعالى: (ومن آياته الليل
والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي
خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (سورة فصلت: اية37).
الفلك
وبهذه التوجيهات الإسلامية كان علماء المسلمين على عكس أولئك لما
عرفوه من دلالة نصوص الوحي، وإن لم يدركوا تفاصيل كثير منها.
كما أنهم وصلوا شأواً بعيداً في مجال الرصد الفلكي وبنوا المراصد في
كثير من العواصم الإسلامية في العراق والشام ومصر والأندلس (دائرة
معارف القرن العشرين لفريد وجدي 7/184،284،ط: دار المعرفة- بيروت).
بذلك كانت بحوثهم مبنية على إرشادات القرآن الكريم والسنة المطهرة
ونتائج الرصد والمراقبة لحركة الأفلاك والنجوم.
وعلى ضوء ما سبق من مقالات نتعرف في هذه المقالة على الفلك وأقوال
أهل العلم فيه.
الفلك مفرد وجمعه أفلاك وفُلُك، وهو مدار النجوم، وفلك كل شيء
مستداره ومعظمه(راجع لسان العرب 10/478 (بتصرف).
يقول الراغب الأصفهاني: والفلك مجراى الكواكب، وتسميته بذلك لكونه
كالفلك، قال تعالى: (وكل في فلك يسبحون)( المفردات في غريب القرآن،
للراغب الأصفهاني ص,385).
ويطلق الفلك لغة: على ما استدار من الرمال وارتفع عما حوله.
وفلك البحر موجه المستدير المتردد، وفي حديث عبد الله بن مسعود رضى
الله عنه "تركت فرسي كأنه يدور في فلك".
كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم(الجامع لأحكام
القرآن، للقرطبي 11/268، اللسان 10/478).
من أقول المفسرين في الفلك:
يقول ابن جرير- رحمه الله- في تفسير قول الله تعالى: (وهو الذي خلق
الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)( سورة الأنبياء:
آية33). اختلف أهل التأويل في معنى الفلك الذي ذكره الله في هذه
الآية، فقال بعضهم: هو كهيئة جديدة الرحى، ونقل هذا المعنى عن مجاهد
وابن جرير(جامع البيان، للطبري 10/22). وقال ابن كثير- رحمه الله- في
تفسير قوله تعالى: (كل في فلك يسبحون): أي يدورون، قال ابن عباس رضي
الله عنهما: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة،وقال مجاهد : فلا يدور
المغزل إلا في الفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس
والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن(تفسير ابن كثير 3/285).
ويقول الطاهر ابن عشور: والفلك فسره أهل اللغة بأنه مدار النجوم كذلك
فسره المفسرون بهذه الآية، ولم يذكروا أنه مستعمل في هذا المعنى في
كلام العرب، ويغلب على ظنه أنه من مصطلحات القرآن، ومنه أخذه علماء
الإسلام، وهو أحسن ما يعبر- به- عن الدوائر المفروضة التي يضبط بها
سير كوكب من الكواكب وخاصة سير الشمس وسير القمر.
والأظهر أن القرآن نقله من فلك البحر، وهو:الموج المستدير، بتنزيل
اسم الجمع منزلة المفرد، والأصل الأصيل في ذلك كله فلكة المغزل- بفتح
الفاء وسكون الام- وهي خشبة مستديرة في أعلاها مسمار مثني يدخل فبه
الغزل ويدار لينفتل الغزل(التحرير والتنوير، لابن عاشور 17/61).
وقوله تعالى: (في الفلك)، ظرف مستقر خبر عن (كل)، و(كل) مبتدأ،
والمعنى أن كلا من المذكورات مستقر في فلك لا يصادم فلك غيره، وقد
علم من لفظ (كل) ومن ظرفية (في) أن لفظ فلك عام أي لكل منهما
فلكه،فهي أفلاك كثيرة(المرجع السابق 17/60-61. ويقول الرازي: (لا
يجوز أن يقول: (كل في فلك يسبحون) إلا ويدخل في الكلام مع الشمس
والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة
أولاً فإنها مذكورة لعودة الضمير إليها. التفسير الكبير 22/167)،
ويقول الرازي: الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك، اختلف
العقلاء فيه، فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم،
وهو قول الضحاك.
وقال الأكثرون: بل هي أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر
القرآن.
ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر
والنجوم فيه....( التفسير الكبير 22/167).
ويقول القرطبي: (كل): يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل
والنهار (في فلك يسبحون) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في
الماء،... وقيل الجري في الفلك، فنسب إليها. والأصح أن السيارة تجري
في الفلك(التفسير الكبير 22/167).
ويقول النسفي: والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه
الشمس والقمر والنجوم(الجامع لأحكامن القرآن 11/286).
هذا هو معنى الفلك عند علماء المسلمين.
فما هو معنى الفلك في عرف الكونين اليوم؟ عرفه الدكتور خليل الجر
فقال: فلك البروج دائرة كبيرة في الكرة السماوية ترسمها الشمس
بحركاتها الخاصة الظاهر في مدة سنة، أو ترسمها الأرض في حركتها
الحقيقة حول الشمس(مدارك التنزيل وحقائق التأويل 3/78).
وعرفت دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي عالم الفلك، بأنه: عالم
مداره الأجرام العلوية، أي الشموس والسيارات والثوابت وتوابعها وذوات
الأذناب، وهو قسمان نظري وعملي.
فالأول: يصف تلك الأجرام ويبين لنا أبعادها عن الشمس وحركتها وفصولها
السنوية وهيئاتها.
الثاني: يبحث عن كيفية رصد تلك الأجرام(معجم المصطلحات الفنية (ملحق
بموسوعة بهجة المعرفة- الكون-) ص 342-343).
وبهذا يظهر أن كلمة (الفلك) وضعت في اللغة العربية للاستدارة، إذ هي
تطلق على الرحى وعلى الأرض وكثيب الرمل المرتفع، وتطلق على الموج
المستدير المتردد ثم نقلت وأطلقت على هذا العلم وما يتعلق به.