التفكر في خلق الله!!

التصعّّّّد إلى السماء

 

من مجلة (( الإعجاز العلمي )) - مجلة فصلية تصدر عن هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة  ** رابطة العالم الإسلامي _لعاشر لعام1422هـ  بتصرف

- قال تعالى  

       ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُون َ)        ( الأنعام:125 )

في هذه الآية الكريمة من كتاب الله العظيم اعجاز ودلائل علمية عظيمة اتضحت للعيان وبصورة واضحة في هذا العصر  الذي اقل ما يوصف به بأنه عصر العلم والفضاء ويمكن تلخيص هذه الدلائل في مايلي |

1/ دلت هذه الآية العظيمة على أمكانية صعود الإنسان إلى السماء والسماء تطلق على كل ما علا وارتفع وفي هذا الزمان استطاع الإنسان أن يصعد إلى السماء سواء بالطائرات أو بالبالونات أو بالصواريخ الفضائية وكذلك صعد إلى أعلى بتسلق قمم الجبال الشاهقة  والقرآن يستمد التشبيه من الكون ويربط الشعور بالحس وحيث أن حال المشبه هي من الأمور المعنوية التي تثبت في الذهن بتثبيتها بصورة محسوسة  وحيث أن التشبيه لا تكمل  أركانه  ولا يكون وجه الشبه في المشبه به أقوى منه في المشبه إلا بحمل النص على ظاهره من قصد التصعد في السماء على الحقيقة ومعلوم أن الفاظ القرآن الكريم في كل المشاهد تتميز بدقة اختيارها ومطابقتها للمعنى  لذلك  فالألفاظ في هذا المشهد أيضاً تجمع بين دقة الدلالة ووضوح العبارة خاصة وأنه لاتوجد قرينة في النص تصرف دلالة اللفظ عن معناه الظاهر لذلك يثبت أن في الآية الكريمة  دلالة واضحة على إمكانية صعود الأنسان  إلى أجواء الفضاء  وتعتبر هذه الإشارة إخباراً عن حقيقة وقعت ونبوءة تحققت في هذا الزمان

2/ ذكرت الآية الكريمة أن الضيق محله الصدر وفي ذلك إشارة إلى أن كل محتويات الصدر من القلب  والأوعية الدموية وأعضاء التنفس والقفص الصدري ومكوناته من ضلوع وعضلات والحجاب الحاجز تشارك كلها في أحداث هذا الضيق  وحيث ثبت يقيناً أن الجهاز التنفسي والجهاز الدوري يتشاركان مشاركة أساسية في تبادل الغازات خارج وداخل الجسم  وأن الصعود إلى طبقات الجو العليا يؤدي لأنقباض الأوعية الرئوية الدقيقة وهذا يؤدي إلى ارتفاع الضغط داخل الأوعية الأكبر فيؤدي ذلك تسرب السوائل من الدم إلى أنسجة الرئتين حيث تضغط تلك السوائل على مجاري التنفس فيحدث الضيق الشديد فيما يعرف بالوذمة الرئوية الحادة  وفي التعبير القرآني الدقيق الذي حدد مكان الضيق الذي يعاني منه الأنسان في الإرتفاعات العالية بأنه في عموم الصدر دلالات واعجاز

3/  يفهم من الآية الكريمة أن الضيق ضيق متدرج ويستمر في الزيادة حتى يصل الذروة وليس ضيقاً فجائياً متواصل  والحرج أشد الضيق أو أضيق الضيق وقد قسمّ العلماء الإرتفاعات حسب البعد عن سطح البحر إلى ثلاثة أقسام هي :

أ - الأرتفاع العالي من 8 إلى 14 ألف قدم 

ب - الأرتفاع العالى جداً من 14 إلى 18 ألف قدم 

ج - الأرتفاع الأقصى فوق 18 ألف قدم

ويشعر الصاعد في أجواء من ضيق متدرج في الصدر يتمثل في صعوبة التنفس واضطراب القلب والدورة الدموية نتيجة لهبوط تركيز الأكسجين في الدم والذي تزداد شدته مع درجات الأرتفاع المذكورة أعلاه

4 / في الصعود المتدرج يحدث في كل مرحلة من مراحله تأقلم من جسم الصاعد إلى أعلى فيحث مع ذلك التأقلم تكيّف يجعل الإنسان لا يشعر بتأثير كبير في ضيق صدره إذا كان صعوده متراخي  إلى ان يصل إلى درجة من الضيق لا يمكن معها التأقلم والتكيف بعدها يحصل ضيق شديد وانغلاق وموت محقق أما الذي يصعد صعود مفاجيء ومتواصل فلا تتمكن أدوات التأقلم من العمل ويحصل الضيق بعد ساعات    ويمكن تعريف الحرج علمياً  بأنه المستوى الذي يقل فيه الضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية إلى المستوى الذي لا يسمح فيه بانتقال الأكسجين من الحويصلات الهوائية إلى الدم في الارتفاع المباشر المتواصل  وقدرت المراجع الطبية أن أقل مستوى  للضغط الجزيئي للأكسجين في الحويصلات الهوائية والذي تبقى معه الحياة بالكاد هو  40مم / زئبق  وتختلف المسافة التي يتحقق فيها هذا المستوى من شخص عادي؛ لى شخص متأقلم وقد سجلت المراجع الطبية هذا المستوى للشخص العادي عند 20 ألف قدم فوق سطح البحر بينما سجلته للشخص المتأقلم عند مسافة 30 ألف قدم .

إن ورود الإشارة  إلى هذه الحقائق العلمية المتمثلة في إمكانية الصعود للسماء وتحديد ذكر الصدر بأنه محل الضيق  والضيق المتدرج الذي يعاني منه الصاعد للسماء وذكر الحرج الذي يصل فيه الضيق إلى ذروته مما نراه في هذا المشهد القرآني البليغ لهو أعجاز علمي واضح لأنه لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أحداً يتخيلها فضلاً عن أن يكشفها .

إن هذه الحقائق لم تكن معلومة في زمن الوحي ولا بعد ذلك بقرون ولم تعرف هذه الحقائق وتكشف إلا في خلال القرون الثلاثة الأخيرة وكانت البداية حينما اكتشف العالم بليز باسكال عام 1648م أن ضغط الهواء كلما ارتفعنا عن مستوى سطح الأرض قل وقد تجلت هذه الحقائق في القرن العشرين عندما ارتبطت أبحاث وظائف أعضاء الجسم وتأثيرات صعود الإنسان في طبقات الجو العليا عليها من واقع تسلق الجبال الشاهقة وركوب الطائرات الشراعية والعمودية والنفاثة حيث أمكن ذلك بعد توفر وسائل البحث والرصد ونشير هنا إلى أن بول بيرت هو أول طبيب يقوم بدراسات موسعة عن طب الطيران وتأثير انخفاض الضغط الجوي على وظائف جسم الإنسان وقد نشر عام 1887م كتاب اسماه الضغط الجوي وأما قبل ذلك فقد كانت تلك المعلومات غير متوفرة قطعاً

فمن اخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق منذ ما يزيد على اربعة عشر قرناً إنه وحي الله الذي خلق الكون والإنسان ويعلم سنن الخلق إن تجلي هذه الحقائق في هذا الزمان لهو من وعد الله لنا بإظهار أنباء القرآن الكريم في الزمن المستقبل قال تعالى/   (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (صّ: 87_88)