|

|
حوار حول الذكاء الاصطناعي |

هل يتفوق ذكاء
الكومبيوتر على الذكاء البشري ؟
حوار مع د. عادل فاخوري

منذ أكثر من عشر سنوات يعمل الدكتور عادل فاخوري على ما يعرف بإسم " المسائل
الكبرى في الذكاء الإصطناعي The great questions in Artificial Intelligence .
مجلة علم وعالم قابلته لتستشرق آفاق هذا العلم .
س: متى وكيف ظهر
الذكاء الإصطناعي ؟
ج: لم يمض على تاريخ الذكاء الإصطناعي سوى 50 عاما ً حتى بدأ مؤرخو هذا العلم
في البحث عن جذوره . ولقد إستطاعوا الرجوع الى الفيلسوف ريموندوس ليلوس وهو
راهب إسباني كتب حوالي 300 كتاب معظمها في اللغة العربية . لكن أشهر مؤلفاته
يعرف بإسم " الصناعة العظمى – Deorte Magna " . فكرته الرئيسية تقوم على دوائر
ذات مركز واحد مكتوب على أطرافها بعض الكلمات والمفاهيم الفلسفية بحيث أنه مع
تحريك الدوائر يتم الحصول على كل التقاليب الممكنة للمفاهيم .
والحال أن ريمندوس ليلوس هو نفسه صرح أنه إقتبس هذه الآلة عن أحمد السبتي
المغربي صاحب " الزايرجة " . وأكثر من تأثّر بليلوس هو الفيلسوف وعالم
الرياضيات ليبتنز Leibniz الذي وضع بعد المفكر وعالم الرياضيات باسكال الحاسب
الثاني الذي أضاف عليه الضرب والقسمة .
أما أول كمبيوتر ميكانيكي فقد وضعه بابدج Babbage . لكن ظهور علم الذكاء
الإصطناعي بالمعنى الحصري كان في القرن العشرين . ولا شك أن عالِم المنطق
والرياضيات تيورنغ Turing هو أول من وضع مبادئ وفلسفة هذا العلم .
ظهر إسم الذكاء الإصطناعي سنة 1956 مع أول مؤتمر إنعقد في الولايات المتحدة وقد
أطلق هذه التسمية على هذا العلم ماكارثي Mcarthy في مؤتمر للكومبيوتر في
دارتموث كولدج . وقد ضمّ المؤتمر الأركان الأربعة لهذا العلم وهم إضافة لمكارثي
، مينسكي Marvin Minsky ، وسيمون Herbert Simon ، ونيوول Allan Newell .
س: ذكرت أن ريمندوس
ليلوس إستوحى آلته من المغربي أحمد السبتي صاحب " الزايرجة " . ماهي هذه الآلة
؟
ج: بإختصار آلة " الزايرجة " تستطيع أن تجيب على كل سؤال بجواب وبطريقة آلية
أوتوماتيكية .
س: وكيف ذلك ؟
ج: يجري ترجمة السؤال الموضوع باللغة العربية الى أعداد حساب الجُمّل . وكما هو
معروف فإن كل حرف من حروف الأبجدية يقابله عدد ما . فعلى سبيل المثال حرف الألف
يقابله العدد 1 والباء 2 والجيم 3 الخ ...... فبعد أن تحصل الترجمة الى
الأرقام، يسهل إجراء عمليات حسابية على الأرقام الحاصلة كالجمع والضرب والقسمة
. وحاصل هذه العمليات الحسابية يعاد ترجمتها الى اللغة العربية حسب أصول حساب
الجمل فيأتي الجواب . وهذا يشبه العمليات التي تحصل في الكومبيوتر إذاً أن
النصوص في الكومبيوتر مآلها الى الأعداد الثنائية صفر وواحد التي تخضع لعمليات
من تحويل وإضافة وجمع رياضي . ومن ثمة ترجمة الحاصل الى النص .
س: حسنا ً نعود الى
مؤتمر دارتموث ، ماذا حصل من خطوات عملية لتطوير هذا العلم؟
ج: الأركان الأربعة الذين ذكرتهم تمسكوا بالبرمجة الرمزية أي البرمجة
بالإستعانة بإحدى لغات الذكاء الإصطناعي وأشهرها لغة ليسب Lisp وبرولوغ Prolog،
وغيرها من اللغات . ولم ينفرد عنهم إلاّ فرانك روزنبلات Frank Rosenblatt الذي
وجّه إهتمامه الى الكومبيوتر العصبوني ( المبني على الخلايا العصبية الإصطناعية
Neuronal Network - ) .
س: وما الفرق بين
الكومبيوتر المرتكز على البرمجة الرمزية وذاك الذي يحتذي تركيب أعصاب الدماغ
والمبني على الخلايا العصبية (العصبوني)؟
ج: في الكمبيوتر العصبوني ليس هناك إستعمال للغة . وإنما البرمجة تتم بإختيار
أوزان للأربطة التي تربط بين الخلايا . هذه الأوزان هي بمثابة المشابك Synapsis
التي تربط الخلايا العصبية في الدماغ . فإن كانت الأوزان سالبة فهي مانعة وإن
كانت موجبة فهي مثيرة . البرنامج هنا هو كيفية تشكّل الأوزان Configuration في
الشبكة . إذن اليوم هناك تياران في الذكاء الإصطناعي . الأول يستعمل الرموز
ويسمى بالتيار الرمزي والثاني يستعمل الشبكات العصبونية ويسمى بالتيار الترابطي
Connectionism. بناءا ً على ذلك هناك في عدة ميادين منها الذكاء الإصطناعي
والعلوم الإدراكية Cognitive Sciences وفلسفة الذهن Philosophy of Mind
والألسنية الحديثة Linguistics ، أتباع لكل من التيارين . وأنا شخصيا ً أعتقد
أن الكومبيوتر الذي سيتمتع بالوعي هو المبني على الخلايا العصبية الإصطناعية .
س: هل هناك من
مجالات جديدة تنسب الى هذا العلم ؟
ج: إذا شئت أن نكون دقيقين فلا بد أن نسمي هذه الحقول المتعلقة بالكومبيوتر
بالعلوم الإصطناعية عامة ً لأنه بالإضافة الى الذكاء الإصطناعي بالمعنى
الكلاسيكي هناك ميادين آخرى تدخل تحت العنوان العام وهي الحياة الإصطناعية
Artificial Life والمناعة الإصطناعية Artificial Immunity بل والوعي الإصطناعي
Artificial Consciousness .
س: لو تعطيني مثال
على برنامج يستند الى مبادئ الذكاء الإصطناعي ؟
ج: لعل أهم برنامج يعتمد على البرمجة الرمزية هو برنامج Cyc الذي هو مختصرلـ
Encyclopedia . بدأ العمل بهذا البرنامج منذ أكثر من 15 سنة ويتوقع له الإنتهاء
بعد 15 سنة آخرى . هذا البرنامج لا يقدم كسائر البرامج على مقابلة البرامج
بكميات مضاهية لها بل يعتمد على المفاهيم والمعاني . فإن سألته أعطني مثالا ً
عن شخص شجاع لأمدك بصورة رجل يتسلق الجبل . فإذا طلبت تفسيرا ً لذلك كان جوابه
الصريح بأن كل من يتسلق الجبل هو رجل شجاع . ومرة سأله واضع البرنامج أريني صور
أشخاص جالسين على مقاعد . فأظهر له مشهد من السيارات في الشارع . ولما إستوضحه
الأمر أجابه البرنامج أن داخل السيارات هناك مقاعد يجلس عليها الركاب . ويتوقع
واضع البرنامج أن يغزو Cyc كل كومبيوترات العالم عندما يتم الإنتهاء منه .
س: كيف يمكن
للبرنامج أن يلتقط المعنى ؟
ج: بدأ فريق Cyc بإدخال جملة " مات نابليون في سانت هيلانة فحزن عليه الجنرال
الإنكليزي ولنغتون " وحتى يستطيع البرنامج Cyc أن يفهم معاني كلمات هذه الجملة
كان على الفريق أن يفسر له كل كلمة . فعلى سبيل المثال كلمة " جزيرة " أدت بهم
الى تفسير اليابسة والبحر . والبحر أدى بهم الى تفسير الأمواج والأسماك التي
تسكنه . وتفسير الأسماك أدى بهم الى تفسير الحيوانات والحياة ..الخ بحيث أنه
لتفسير الجملة الأولى إحتاج الفريق الى أكثر من مليون جملة لتوضيحها . وخافوا
في النهاية أن يتسلسل الأمر الى مالا نهاية له . لكنهم كلما وصلوا الى جملة
جديدة إحتاجوا الى جمل ٍِ أقل لتفسيرها بسبب تراكم المفاهيم والجمل التي سبقت .
س: أين موقع الذكاء
الإصطناعي من معارف القرن الحادي والعشرين ؟
ج: الواقع أن العلوم الإصطناعية لا تنفصل عن سائر العلوم الكبرى . فكثير من
ميادين الذكاء الإصطناعي وعلى الأخص " الحياة الإصطناعية " تأخذ بعلم التطور
والجينياء Genetics . إذا وضعنا برنامج ما لحل مشكلة ما، وكان هذا البرنامج
قاصرا ً عن إخفاء الحلّ التام فإنه يتم تزويجه مع برنامج آخر يقدم حلا ً ما .
فالبرامج الأنسال التي تنشأ عن هذا التزويج يتم إختيار الأصلح Fittest منها كما
في الطبيعة عندما يتم إختيار الجينوم الأصلح . ونكرر تلك العملية على أنسال
الانسال بالتزويج حتى نحصل نهائيا ً على البرنامج الأكمل الذي يستطيع حلّ
المشكلة الموضوعة .
هذا مثال على تآلف العلوم الذي سيشهده القرن الحادي والعشرين .
س: بجوابك السابق
أظهرت إستعانة الذكاء الأصطناعي بعلم الجينياء، هل يمكن لعلم الجينياء أن
يستفيد هنا من برامج الكومبيوتر ؟
ج: بالطبع، مادامت آلية التطور الجينية هي خوارزمية رياضية نستطيع محاكاة تطور
الحياة Simulation على شاشة الكومبيوتر . أول برنامج في هذا الأمر وضعه توماس
راي T.Ray وإسمه Tierra. إنطلق راي من برامج صغيرة تمثل الجراثيم . وأخضعها
لخوارمية جينيةGenetic Algoritham وفوجئ في اليوم الثاني وقد لاحظ هذه
المخلوقات وقد تلاحمت وتناسلت وتطورت كما يحصل في الحياة الطبيعة .
س: ثمة أسئلة كثيرة
يطرحها الناس تعجيزا ً للكومبيوتر: مثلا ً هل يستطيع أن ينظم شعراً أو يؤلف
قطعة موسيقية ؟ أليس هذا حكرا ً على الكائن البشري ؟
ج: ثمة محاولات كثيرة في الذكاء الإصطناعي لإقامة برامج تكتب الشعر والقصة
وتؤلف قطعا ً موسيقية . بل ثمة مجلة على الإنترنت مختصة بالشعر الرقمي وإسمها
"سكر على نارSugar On Fire-" يكفي للقارئ أن يدخل على أحد هذه العناوين :
Computer Poetry شعر الكومبيوتر أو Computer Music موسيقى الكومبيوتر حتى يجد
أعداد هائلة من هذه التجارب. ولعل أشهر برامج في كتابة القصة هو" بروتس-
Brutus" مأخوذة عن عضو مجلس الشيوخ الروماني الذي خان القيصر وحين طعنه قال له
القيصر “حتى أنت يا بروتس “. هذا البرنامج مخصص لكتابة قصص الخيانة .
ولعل أطرف نادرة عندما تم عرض ثلاث قطع موسيقيةعلى جمهور من الموسيقيين . واحدة
لموزارت وثانية لمؤلف موسيقي يقلد موزارت وثالثة لكومبيوتر ينتهج مبادئ موزارت
في التأليف . كان حكم لجنة الموسيقين أن موسيقى الكومبيوترهي الموسيقى التي
تمثل موزارت .أما أشهر برنامج في الرسم فهو برنامج آرون Aaron . إليك بعض
إبداعاته .
س: هناك من يقول أن
برامج الذكاء الإصطناعي تستطيع أن تحاكي كثيرا ً من الأشياء لكنها لن تستطيع أن
تقوم بأعمال أصلية ؟
ج: صحيح أن الكومبيوتر يحاكي Simulate إنتشار النيران في الغابة لكن هذا
الإنتشار لن يحرق . وصحيح مثلا ً أن الكومبيوتر يستطيع أن يحاكي العاصفة . لكن
عاصفة الكومبيوتر لن تبلل . وصحيح أن الكومبيوتر قادر على محاكاة عملية الهضم
ولكن هذه المحاكاة لن تستطيع أن تأكل البيتزا .
س: إذا كان الأمر
كذلك فالكومبيوتر يستطيع محاكاة التفكير ولكنه لن يعي البتة . فهذه مجرد محاكاة
؟
ج : محاكاة الأشياء المادية تختلف عن الاشياء الاصلية لأنها تعوزها المادة .
أما محاكاة الأشياء الصورية أي الشكلية البحت فهي مطابقة تماما ً للأصل . إن
محاكاة الكومبيوتر للعبة الشطرنج هو لعبة شطرنج أصلية .
س: ما هو معيار
التمييز بين ما هو صوري أي شكلي Formal وبين ما هو ليس كذلك؟
ج: كل ما تستطيع أن تسحبه من الإنترنت هو صوري وهو بالتالي مطابق للأصل .
فالنصوص والصور والموسيقى تشتريها بسعرها من الأنترنت . فهي مطابقة للأصل .
لكنك لا تستطيع أن تنقل البيتزا من المحل الى شاشة الكومبيوتر . فلن تحصل إلا
على صورة البيتزا وتبقى تتضور جوعا ً .
س: إذا لن يستطيع
الكومبيوتر أن يعي بل فقط أن يحاكي الوعي ؟
ج: لا أبدا ً الكومبيوتر سوف يقوى على الوعي لأن العمليات الذهنية هي عمليات
صورية وليست عمليات مادية . وبما أن محاكاة الصوري هو كالاصل فكل آلة تستطيع
محاكاة العملية الذهنية هي ذهن مستقل .
|